أحمد مصطفى المراغي

130

تفسير المراغي

الإيضاح ( فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ) أي فلم يكن جوابهم إذ قال لهم : اعبدوا اللّه واتقوه . إلا أن قال بعضهم لبعض : اقتلوه أو أحرقوه بالنار ، فأضرموا النار وألقوه فيها ، فأنجاه اللّه منها ، ولم يسلطها عليه ، بل جعلها بردا وسلاما . ثم ذكر ما في هذا من العبرة لمن اعتبر فقال : ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أي إن في إنجائنا لإبراهيم من النار ، وقد ألقى فيها وهي تستعر وتصييرها بردا وسلاما عليه - لأدلة وحججا لقوم يؤمنون باللّه إذا عاينوا ورأوا مثل هذه الحجة . ثم ذكر ما قاله إبراهيم لهم بعد إنجائه من النار : ( وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) أي وقال لهم إبراهيم مؤنبا وموبخا على سوء صنيعهم بعبادة الأوثان : إنما اجتمعتم على عبادتها في الدنيا للصداقة والألفة التي بين بعضكم وبعض ، فأنتم تتحابون على عبادتها ، وتتوادون على خدمتها ، كما يتفق الناس على مذهب ، فيكون ذلك سبب ألفتهم ومودتهم ، لا لقيام الدليل عندكم على صحة عبادتها . وقصارى ذلك : إن مودة بعضكم بعضا هي التي دعتكم إلى عبادتها ، إذ قد رأيتم بعض من تودون عبدوها ، فعبدتموها موافقة لهم لمودتكم إياهم ، كما يرى الإنسان من يوده يفعل شيئا ، فيفعله مودة له . ثم ذكر أن حالهم في الآخرة ستكون على نقيض هذا فقال : ( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) أي ثم تنعكس الحال يوم القيامة ، فتنقلب الصداقة والمودة بغضا